ابن تيمية

32

مجموعة الرسائل والمسائل

أرسلناك إلى رحمة للعالمين ) وقال تعالى ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم ) وقال ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ) فمن أنعم الله عليه مع الأمر بالامتثال فقد تمت النعمة في حقه كما قال ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) وهؤلاء هم المؤمنون . ومن لم ينعم عليه بالامتثال بل خذله حتى كفر وعصى فقد شقي لما بدل نعمة الله كفراً كما قال ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار ) والأمر والنهي الشرعيان لما كانا نعمة ورحمة عامة لم يضر ذلك عدم انتفاع بعض الناس بهما من الكفار ، كإنزال المطر وإنبات الرزق هو نعمة عامة وإن تضرر بها بعض الناس لحكمة أخرى ، كذلك مشيئته لما شاءه من المخلوقات وأعيانها وأفعالها لا يوجب أن يحب كل شيء منها فإذا أمر العبد بأمر فذاك إرشاد ودلالة ، فإن فعل المأمور به صار محبوباً لله وإلا لم يكن محبوباً له وإن كان مراداً له ، وإرادته له تكويناً لمعنى آخر . فالتكوين غير التشريع . ( فإن قيل ) المحبة والرضا يقتضيان ملاءمة ومناسبة بين المحب والمحبوب ويوجب للمحب بدرك محبوبه فرحاً ولذة وسروراً ، وكذلك البغض لا يكون إلا عن منافرة بين المبغض والمبعض ، وذلك يقتضي للمبغض بدرك المبغض أذى وبغضاً ونحو ذلك ، والملاءمة والمنافرة تقتضي الحاجة ، إذ ما لا يحتاج الحي إليه لا يحبه ، وما لا يضره كيف يبغضه ؟ والله غني لا تجوز عليه الحاجة ، إذ لو جازت عليه الحاجة للزم حدوثه وإمكانه وهو غني عن العالمين ، وقد قال تعالى - أي في الحديث القدسي - " يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني " فلهذا فسرت المحبة والرضا بالإرادة إذ يفعل النفع والضر . فيقال الجواب من وجهين : ( أحدهما ) الإلزام وهو أن نقول : الإرادة لا تكون إلا للمناسبة بين المريد